عمر بن ابراهيم رضوان
467
آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره
فما زال « بلاشير » يزعم أن المجتمع المسلم مجتمع ارستقراطي قياسا على المفهوم الغربي مع أنه مجتمع فريد ، لا يفرق فيه بين غني وفقير ، ولا بين حاكم ومحكوم ، وتعاليم الإسلام ما زالت فيه غضة طرية جعلت الناس فيه طبقة واحدة ، طبقة لا يخضعون إلا للّه الواحد في كل عباداتهم ، وأحكامهم ، ومعاملاتهم ، فهم في صلاتهم على بساط واحد يصومون في وقت واحد ، ويحجون في وقت واحد ، وأماكن واحدة ، وعلى هيئة واحدة ، فمن هنا يظهر سوء فهم المستشرقين للمجتمع المسلم وروحه . أما الدافع لعثمان لتكليف هؤلاء بهذا العمل العظيم فلم يكن لما ذكره « بلاشير » من الاعتبارات ، وإنما لدافع كفاءة أفرادها دون مكانتهم الاجتماعية أو صلاتهم الخاصة . والذي يؤكد ذلك أن ناقدي عثمان الكثر في عهده لم ينتقدوه بمثل هذه الأقوال المكذوبة بأن استعمال لجنة جمع القرآن كان لدافع نفعي ، أو غرض شخصي ، أو مصاهرة مختلفة . فهؤلاء الصحابة كانوا يتمتعون بصفات تؤهلهم لهذا العمل الجليل ، فهم من صحابة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ممن رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، ومن ثقات الصحابة وأفاضلهم ، وممن شهد لهم بالإيمان والخيرية والورع والإخلاص والأمانة التامة والنزاهة المطلقة . فسعيد بن العاص - الذي زعم بلاشير أن مشاركته كانت مشاركة فخرية فقط لا فعلية ، لأنه كان آنذاك أميرا على الكوفة سنة ثلاثين من الهجرة ( 30 ه ) « 1 » مع أن الصواب أن سعيدا لم يكن بعد قد عين أميرا على الكوفة ، بل كان أحد أعضاء اللجنة الرباعية الرئيسيين وسعيد هذا فقد كان أفصح الناس ، وأشبههم لهجة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقد أدرك تسع سنين من حياة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولم يعلم عنه إلا كل خير . وقد استعمله عثمان - رضي اللّه عنه - على الكوفة واستعمله من بعده معاوية على المدينة . وما عرف عنه إلا الخير
--> ( 1 ) مقدمة القرآن - بلاشير ص 56 - 58 .